السيد كمال الحيدري

287

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

ومن المقولات الأساسيّة لصدر المتألّهين التي تدحض الاعتقاد السائد بأنّ القول الفلسفي مجرّد قول تجريدي لا صلة له بالواقع ومفصول عنه ، أنّ الإنسان لا يستطيع أن يترقّى في مدارج العلم بلا حواس ، وبلا ارتباط بالواقع ، وفي نظره أنّ هناك ارتباطاً أساسياً بين الواقع التجريدي وبين الواقع المادّي ، أي بين الواقع العملي والواقع النظري ، ولا يمكن للإنسان أن يجلس في بيته ويترقّى في مراتب الكمال بلا ارتباط بالواقع . وبتعبير آخر : فإنّ الإنسان بحواسّه يرتبط بالواقع وحينئذ يستطيع أن يترقّى في مراتب الكمال ، وهذا ما جعل البعض يتصوّر أنّ مدرسة صدر المتألّهين هي مدرسة حسّية . وكلّ من لم يلتفت إلى صدر المتألّهين وأنّه من أين يبدأ وأين يريد أن ينتهي ، يتصوّر أنّه حسّي ، باعتبار أنّ منشأ نظريّته أنّ النفس جسمانيّة الحدوث ، تبدأ من المادّة ، فإذن لابدّ أن يبدأ أيضاً من المادّة ، وهذا ما يثبت أنّ صدر المتألّهين يريد القول بأنّ العالم مجرّد ، عالم الكمال ، عالم التكامل ، عالم العلم . . . وبلا أن يبدأ الإنسان من المادّة فهذا غير معقول وغير ممكن . فالعرفاء من أمثال الإمام الخميني قدس سره ، مع كونه حكيماً ، فيلسوفاً ، فقيهاً ، أصولياً ، متكلِّماً . . . فهو مؤسّس لثورة ، ومُقيم لدولة . . . وسبب ذلك ومنشأه أنّ الإمام الخميني عندما جاء إلى العرفان وإلى الفلسفة وإلى الكلام ، بل إلى القرآن والروايات الصادرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام وجدن بأنّ هذين الأمرين لا ينفصل أحدهما عن الآخر ، بل أحدهما مرتبط ارتباطاً عضويّاً بالآخر ، وهذا يشبه ما ذكرناه سابقاً في الحديث عن النفس والبدن وأنّهما حقيقة واحدة لها بُعدان : مادّي ومجرّد . ومعارف الإسلام كلّها قائمة على هذا ، أي على أنّ الإنسان فيه جانب مادّي